الشيخ محمد هادي معرفة

502

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته ، وعدم الاعتقاد بما ينفيه ، وقد جاء بنفي السحر عنه عليه السلام حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه ، ووبّخهم على زعمهم هذا ، فإذا هو ليس بمسحور قطعا . وأمّا الحديث فعلى فرض صحّته هو آحاد ، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد ، وعصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد ، لا يؤخذ في نفيها عنه إلّا باليقين ، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظنّ والمظنون ، على أنّ الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنّما يحصل الظنّ عند من صحّ عنده . أمّا من قامت له الأدلّة على أنّه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجّة . وعلى أيّ حالٍ فلنا بل علينا أن نفوّض الأمر في الحديث ، ولا نحكّمه في عقيدتنا ، ونأخذ بنصّ الكتاب وبدليل العقل ، فإنّه إذا خولط النبيّ في عقله - كما زعموا - جاز عليه أن يظنّ أنّه بلّغ شيئا وهو لم يبلّغه ، أو أنّ شيئا نزل عليه وهو لم ينزل عليه ، والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان » « 1 » . قال الذهبيّ ناقما على هذه الطريقة التي هي طريقة أهل الاعتزال : « وهذا الحديث الذي يردّه الأستاذ الإمام ، رواه البخاريّ وغيره « 2 » من أصحاب الكتب الصحيحة ، وليس من وراء صحّته ما يخلّ بمقام النبوّة . » ( وعلّل عدم الإخلال بأنّه من قبيل المرض ، وقد عرفت ردّ الإمام عليه بأحسن ردّ ) وأضاف قائلًا : « ثمّ إنّ الحديث رواية البخاريّ وغيره من كتب الصحيح ، ولكنّ الأستاذ الإمام ، ومن على طريقته ، لا يفرّقون بين رواية البخاريّ وغيره ، فلا مانع عندهم من عدم صحّة ما يرويه البخاريّ ، كما أنّه لو صحّ في نظرهم فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد ، لا يثبت به إلّا الظنّ ، وهذا في نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنّة التي هي بالنسبة للكتاب في منزلة المبيِّن من المبيَّن ، وقد قالوا : إنّ البيان يلتحق بالمبيَّن ، قال : « وليس هذا الحديث وحده الذي يضعّفه الشيخ ، أو يتخلّص منه بأنّه رواية آحاد ، بل هناك كثرة من الأحاديث نالها

--> ( 1 ) - . ذكر ذلك في تفسيره لجزء عمّ ص 181 - 182 . وتعرّض له في المنار ، ج 3 ، ص 291 . ( 2 ) - . جامع البخاريّ ، ج 7 ، ص 178 ؛ صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 14 ؛ فتح الباري ، ج 10 ، ص 193 .